كيف تحول ميسي من رياضي فذ إلى بطل شعبي في الأرجنتين؟
لم يكن ليونيل ميسي بحاجة إلى كأس العالم كي يصبح أسطورة في كرة القدم، فقبل أن يرفع الكأس في الدوحة، كان قد صنع واحدة من أعظم السير الفردية في تاريخ اللعبة، وحطم الأرقام، وفاز بكل شيء تقريبًا مع برشلونة، وحصل على الكرة الذهبية مرات لم يقترب منها أغلب أساطير كرة القدم.
لكن كل ذلك لم يكن كافيًا في الأرجنتين فهناك كان ميسي يعيش معضلة مختلفة تمامًا خلال فترة طويلة من مسيرته، الأرجنتينيون لم يكونوا يبحثون عن لاعب عظيم بقدر بحثهم عن بطل يشبههم، عن شخص يحمل غضبهم وانتصاراتهم وانكساراتهم، ويملك تلك الشراسة في الدفاع عنهم.
أبرز التفاصيل والقرارات الفنية
لهذا ظل ميسي لسنوات طويلة، رغم عبقريته داخل الملعب أقل من المكانة التي منحها الأرجنتينيون لدييغو أرماندو مارادونا، الذي يشبه تطلعات الأرجنتينيين في كل ما يتعلق بهذا الجانب، فقد كان مارادونا بالنسبة لهم أكثر من لاعب كرة قدم.
كان شخصية شعبية، متمردة، صاخبة لا تخشى الاشتباك، يتكلم بالطريقة التي يتكلم بها الناس، أما ميسي فكان مختلفًا تمامًا؛ هادئًا، قليل الكلام، بعيدًا عن الصراعات، ويترك قدميه فقط تتحدثان، لهذا احتاج ميسي إلى سنوات طويلة حتى يعبر المسافة الفاصلة بين "أفضل لاعب في العالم" و"بطل الأرجنتين".
الطريق إلى تلك المكانة لم يكن مليئًا فقط بالأهداف والانتصارات، وإنما كان مليئًا أيضًا بالانكسارات والغضب والشك والهجوم ولحظات ظهر فيها ميسي لأول مرة ليس فقط كلاعب خارق، وإنما كإنسان أرجنتيني يشعر بما يشعر به أبناء بلده.
كواليس ومعلومات إضافية
ربما لا توجد جملة تختصر حجم الفجوة التي عاشها ميسي مع الجمهور الأرجنتيني أكثر من السؤال الذي وجهه إليه ابنه تياجو في 2016.
الطفل الذي كان يبلغ من العمر وقتها 4 أعوام فقط لم يكن يفهم لماذا يتعرض والده الذي يعرفه العالم باعتباره أحد أفضل لاعبي كرة القدم في التاريخ، لهذا الكم من الغضب في بلده.
كان ميسي قد خسر نهائي كأس العالم 2014 أمام ألمانيا، ثم خسر نهائي كوبا أمريكا 2015 أمام تشيلي، وعاد وخسر أمام المنتخب نفسه في نهائي كوبا أمريكا المئوية عام 2016، وبعد كل سقوط، كانت المقارنة مع مارادونا تعود من جديد، وفي كل مرة كان السؤال الأكبر يبرز: هل يحب ميسي الأرجنتين بالطريقة نفسها التي أحبها مارادونا؟.
بعد خسارة نهائي كوبا أمريكا 2016، خرج ميسي من الملعب محطمًا، وأعلن اعتزاله اللعب الدولي، كانت تلك واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في مسيرته مع الأرجنتين.
قال وقتها: "لقد حاولت كثيرًا، لكنني لم أستطع تحقيق ذلك" في انفجار عاطفي للاعب الذي شعر وقتها أن علاقته بجماهير المنتخب قد وصلت إلى طريق مسدود.
مع المطالبات بالعودة، وانتهاء ميسي من الانفجار الذي بدا غير محسوب أو مخطط له، عاد ميسي مرة أخرى ليستكمل – آنذاك – رحلة المجهول.
إذا كانت سنوات برشلونة قد صنعت ميسي اللاعب، فإن بطولة كوبا أمريكا 2019 ساعدت في صناعة ميسي "البطل الشعبي"، كانت قد خرجت الأرجنتين من نصف النهائي أمام البرازيل، لكن ميسي لم يكتفِ بانتقاد أداء فريقه أو الحديث عن الفرص الضائعة.
كانت عباراته قوية وغير معتادة بالنسبة إلى ميسي الذي اعتاد الصمت، وبعد طرده في مباراة تحديد المركز الثالث أمام تشيلي، عاد ليؤكد موقفه، معلنًا أنه لا يريد أن يكون جزءًا من منظومة وصفها بالفساد.
ولأول مرة، رأى الأرجنتينيون ميسي غاضبًا إلى هذه الدرجة من أجلهم، وأن يتم إيقافه 3 أشهر وتغريمه 50 ألف دولار من أجلهم، كانت تلك اللحظة شديدة الأهمية في صناعة ميسي الشعبي على الرغم من اقترانها بهزيمة مؤلمة.
في ربع نهائي أمام هولندا، ظهرت نسخة مختلفة تمامًا من ميسي إذ لم تكن مباراة كرة قدم عادية. كانت مواجهة مشحونة بالأعصاب، ازدادت توترًا مع تصريحات لويس فان خال قبل اللقاء، ثم انفجرت على أرض الملعب.
سجل ميسي من ركلة جزاء، واحتفل أمام فان خال بوضع يديه خلف أذنيه، في إشارة اشتهر بها خوان رومان ريكيلمي الذي كان أحد أهم اللاعبين في طفولة ميسي وذاكرته الكروية حتى زامله في "الألبيسيليستي" كما كانت علاقته بفان خال واحدة من القصص الشهيرة في مسيرته التي انتهت به خارج أسوار النادي الكتالوني مطلع الألقية.
ثم بعد المباراة، وأثناء مقابلة تلفزيونية، لمح ميسي ووت فيغورست، وقال له التصريح الشهير: "إلى ماذا تنظر أيها الأحمق؟ اذهب من هنا".. لم يكن هذا ميسي البدايات أبدا، لكنه كان ميسي الذي امتلك الجزء المفتقَد من قبل الأرجنتينيين.
بعد كأس العالم 2022، وحين سئل ميسي عما إذا كان سيخوض مونديال 2026 بقميص التانغو، أجاب قائلًا: "أريد أن أجرب شعور دخول البطولة وأنا فائز".
وهذا ما حدث، إذ لم تعد جماهير الأرجنتين تنظر إليه بالطريقة نفسها التي كانت تنظر بها إليه بعد نهائي 2014 أو نهائيي كوبا أمريكا.
وحين انهالت اتهامات محاباة الأرجنتين تحكيميا في البطولة، رد على ذات الشاكلة التي يفضلها الأرجنتينيون: "فليتألم من يتألم، وليقولوا ما يشاؤون.. هذه المجموعة تثبت داخل الملعب أن أحدًا لا يهديها شيئًا، وأنها تنافس وتبحث عن الفوز بكثير من الكبرياء والأداء".
عندما أعلن ميسي اعتزاله الدولي، لم يكن الأرجنتينيون يخسرون واحدا من أعظم لاعبَين أنجبتهما البلاد، بل كانوا يودعون بطلًا شعبيًا احتاج أكثر من عشر سنوات حتى يؤكد لهم أنه يستحق لقب "البطل الشعبي".